محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
36
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
للفكر الحديث « * » . ينبغي عليّ أن ألح هنا على أهمية الدروس المنهجية والابستمولوجية التي نتعلّمها من اكتشاف البنية السيميائية أو الدلالية التي توجّه كل أنماط الخطاب الموجودة في القرآن : النمط النبوي ، والنمط الحكميّ ، والنمط السردي القصصي ( القصص القرآني ) ، والنمط الترتيلي أو التسبيحي ، والنمط التشريعي ، والنمط الإقناعي ، والنمط الجدالي أو الصراعي ( مع الكفار أو الجاحدين للرسالة ) ، والنمط الاستهزائي ( بالكفار والمعارضين ) . كما أن هذه البنية السيميائية أو الدلالية العميقة توجّه كل مستويات المعنى الخاصة بكل وحدة نصيّة قرآنية ( أي كل سورة أو مقطع أو آية ) . إننا نستخدم المصطلحات التقنية الصعبة والجافة والتجريدية لعلم السيميائيات ( علم العلامات والرموز اللغوية ) ليس حبّا في التعقيد أو جريا وراء « الموضة الباريسية » كما يقول الأساتذة الأنغلوساكسونيين بنوع من المزاج والاستهزاء « * * » ، وإنما من أجل إنجاز مهمة فكرية خصوصية . فلكي نفهم فقط الوظائف التي يضطلع بها كل طرف وارد ذكره في الخطاب القرآني ، أقصد كل طرف يسبّب نتيجة عبر التعارضات الدراماتيكية الحاصلة بين الأطراف المتصارعة ، فإنا مضطرون لأن نتحاشى كليّا تلك المفردات الشائعة والمشحونة بشكل ثقيل جدا بظلال المعاني اللاهوتية غير المفقودة والمستمرة عبر القرون . من الناحية التاريخية ، نلاحظ أن الخطاب اللاهوتي وكذلك البلورات أو الأحكام الفقهية الموصوفة بأنها قانون إلهي أو شريعة ، مشتقّان كلاهما من الخطاب القرآني ، وليسا جزءا منه . إنهما مرتبطان أكثر بالسياقات التاريخية والثقافية التي اشتغل فيها اللاهوتيون والفقهاء ثم أسقطوا تفسيراتهم بشكل ارتجاعي على النصوص القرآنية المتوسّل إليها لكي
--> * 1998 ، edition nd 2 ، Thought Modern of Dictionary Fontana . The من الواضح أن القرآن يستخدم عدة أساليب للتوصل إلى هدفه ، أي إلى نصرة الرسالة ودحض جاحديها أو معارضيها . وعلم الالسنيات يساعدنا على فهم هذه الأساليب وتشريحها من الناحية اللغوية . وكذلك الأمر في ما يخص علم العلاقات والرموز الذي هو أحد فروع علم الالسنيات العامة . فهذا العلم يكشف لنا عن بنية الخطاب الديني ويبيّن لنا أن له خصوصية معينة تختلف عن كل أنواع الخطابات الأخرى ما عدا الخطاب الشعري إلى حد ما . * * لا ريب في أن مصطلحات علم الألسنيات شديدة التقنية والوعورة ، وبخاصة بعد أن تفرّع هذا العلم إلى عدة فروع كعلم السيميائيات ( علم العلامات والرموز ) ، وعلم المعاني ( السيمانتيك ) ، وعلم الدلالات والإشارات ( السيميولوجيا ) ، إلخ . وكلها علوم متقاربة ومتداخلة ويصعب التمييز بينها أحيانا . وهي تدرس النصّ بطريقة تشريحية مزعجة لنا نحن الذين تعوّدنا على جمالية النصّ الأدبي ولم نفكر في تفكيكه وتقطيع أوصاله وتحويله إلى جثّة هامدة تقريبا . ولكن عملية التشريح والتفكيك هذه هي التي تكشف لنا عن البنية الداخلية للنصّ ، وكيف تركّب لأول مرة ، وما هي الأساليب البلاغية أو اللغوية التي استخدمت فيه من أجل إقناعنا أو التأثير علينا إلى أقصى حد ممكن . وبالتالي فينبغي أن نصبر على العملية حتى النهاية .